كوين

كتبت هذا التدوين مطلع عام 2019، وهو كلّ ما تبقّى بعدما حُذِفت جميع نصوص مدوّنتي (blog).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتسكّع ذات عشيّة ركيكة بلهاء – في توهان – رفقة صديقي غسّان. نجوب شارع الحرية بالعاصمة تونس بحثاً عن مقهى يأوي وهني العريان. على مشارف محطة البنزين – تلك المترعة على مصرعيها عند تقاطع أربعة طرق – تصادفنا فتاتان، فيتوقّف غسّان للتحيّة.

بعد التحيّة الجماعيّة، انسحبَت إحدى الفتاتين في خجل وصمت. لعلّها قد لاذت بالفرار من هكذا اِجتماع عفوي أو قسريّ انعقد صدفة أو عنوةً على جادّة اِسمنتيّة يتاخمها عطر البنزين والدواخين. انسحبَت تاركة رفيقتها مشرئبة العنق، تخاطب رفيقي من خلف بلوّرات تزيد المشهد دخنةً.

لبثتُ على مقربة من ذلك الاجتماع في تمام الصمت والاستعداد. أنتظر زوال الطارئ، أرتقب شارة الاختتام لأستكمل رحالي بحثًا عن مقهى يأمّني.

ولمّا كان من المحال المضيّ دون سؤالٍ عن الحال، سأل رفيقي كليمته، كذلك ينّص الپروتوكول، وتلك هي الاجراءات المعتادة:

-كيف الحال؟

-كما عهدتني، أنا دائما محاطة بالمثليين.

كان ذلك صدر البيت …

ثم أناحت صوبي برأسها مستكملة العَجُز، وقالت :

-سامحني، I am the Queen موش إنتي. (المعذرة، أنا هي الملكة، لستِ أنتِ).

اِبتسمتُ لها. فعادت وصوّبت برأسها شطر الرفيق الغسّان، ثم اِنصرف كلٌّ منّا إلى شان. رغم أني برحت المكان وقضى على ذلك الأمر زمان، إلا أنه لم يكن بالإمكان التغاضي أو النسيان. فقد اشتغلتني تلك المقولة وأيقظت ملكة التخمين عندي. فهي (المقولة) لم تكن حتما بمعزولة عن غيرها من السلوكيات والمقولات التي أتلقّاها في هذا الغضون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد يبدو لوهلة أن “سامحني” -كما وردت في مطلع العَجُز- تفيد طلب المعذرة أو الغفران.

فإلى جانب الاعتذار، قد يحمل لفظ “سامحني” في سياقاتنا التونسية والكويرية معان أخر. قد يحتمل وظائف عدّة نذكر منها مجازاً؛ الطلب، النداء، التعجّب، الاعتراض، الاستطراد، الإنكار، الاستنكار، …إلخ.

في ذلك الإطار تحوّلت صيغة طلب الغفران “سامحني” إلى تصريح بالنكران. أي أن “سامحني” التي اِعتلت مطلع الكلام كانت بغية تفنيد مقولة ما قد سبقت هذا اللقاء العشوائي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لو أعدنا صياغة قول الفتاة باستحظار ما قد غاب عنه في طيّ النكران، تصبح مقولتها تلك (سامحني أنا الملكة، موش إنتي) منوّهة لوضع سابق للكلام كنت بمقتضاه ملكةً. أو “الملكة” (the queen) كما ورد على لسانها.

ليصبح بذلك النكران حاملاً في ذاته اعترافاً بنفس ما أتى عليه من نكران.

أي أن المقولة تفترض ضمنيّا أنّي الملكة، وتعمل في ذات الحين على شطب تلك الصفة في موضعين إثنين. أولا، عند استهلال القول بـ”سامحني” للاِعتراض. ثم عند التشديد بتوظيف أداة النفي التي سبقت ضمير المخاطَب “إنتي” (أنتِ/أنتَ). ليصبح بذلك النفي مضاعفاً.

يزامن نفي الفتاة لصفة “الملكة” عنّي، اِكتساءها بتلك الصفة، وذلك في مشهد سريالي يحاكي افتكاكا لمركز أو لعرش منشود.

لا عجب في أن أتى اعتلاؤها الرمزيّ والخطابيّ لهذا العرش في أوّل الكلام (عند قولها “أنا الملكة”)، ثمّ تلاه عزلها لي عن ذلك السلطان المظنون. لا أعتقد أن تقديمها لموضع “الأنا” -قولاً- عن موضع “الإنتي” كان اعتباطياً أو مفكّراً فيه. أو أنّ أداة النفي التي شَطبت “الإنتي” قد كانت هي الأخرى عشوائية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم ألقّب نفسي يوماً بالملكة. في الواقع، أنا لم أمنح لنفسي يوما إسماً أو وسماً غير “خوخة” أو “خوخة ماكوير”. والذي لا يحمل بدوره أيّ سماتٍ ملكيّة أو علويّة.

في قراءة أولى لكلمة خوخة نجد ثمرة الخوخ المتاحة، وهي ليست من الثمار النادرة أو الباهضة أو المستوردة. أما عن لقب “ماكوير” فقد كان محاولة مني لمزج مصطلح “كوير” الحقير بلقب استعرته من معشوقي الأبديّ “آلكسندر ماكوين” Alexander McQueen، المبدع الفقيد والذي أشاركه يوم الميلاد (الـ17 من مارس) والاكتئاب والوبنة. [وكنت قد شاركته حديثاً الإصابة بالـHIV].

عندما كنت أصوغ لقباً لي سنة 2015، تعمّدت استبدال “كوين”(من لقب ماكوين) -والتي تفيد الملكة بالإنڨليزية- بصفة كوير التحقيرية، وهو تصنيف أقرب ما يكون إلى القعر. لم يكن ذلك أبداً ببعيد عن المنطق الذي كان يسند تصنيفي لذاتي حينها كـ”تشّة”، والتي تعني في الأصل القحبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فمن أين يا ترى قد انبثقت قصّة الكوين وصراع الرفعة اللعين هذا؟!

يروج عادة تلقيب الدراڨ كوين بالكوين للاختصار و/أو للتشجيع. ولا يحمل مصطلح “دراڨ-كوين” في جوهره أيّ دلالات علويّة إنما هو نعت يُلحق ببساطة بمن يمارسون فن الـ”دراڨ”. أما أنا فكثيرًا ما أتفادى وصفي بالـ”دراڨ-كوين” وغالباً ما أكتفي بالحديث عن ممارستي للدراڨ كفنّ أو كمتنفّس أو كأداة تعبيرية نضالية.

لكن مع شيوع اللفظ مؤخّراً، أصبح اِلتصاق وصف “دراڨ-كوين” ومناداتي بالـ”كوين” واقعا لا محالة. وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى اِنزلاق المقصد الأصلي من استعمال “كوين” كاِختصار لـ”دراڨ-كوين ليصبح دالاًّ في نظر البعض على منصب أو لقب أو منزلة كويريّة قد أُسندت لي من باب الرفعة والعلوان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتحول تلك الصور المشتهاة لمنزلة يُعتقد بأني أعتليها، للممارسات خطابيّة موضوعها وأداتها السلطة.

1 سلطة المَنح: تصوغ المتكلمة ماهيتي بشكل يكسوني -خطابيًّا- سلطةً ما.

2 سلطة المَنع: تنتزع الفتاة تلك السلطة الممنوحة -خطابيًّا- لتصبح ممنوعة.

هذا لا يبتعد كثيرا عن تولي البعض سلطة منحي أو منعي من جندر ما أو ضمير أو إسم. هي نفس المعارك حول السلطة. نزاع حول سلطة التعريف والتصنيف، سلطةٌ توهم الآخر بأنه أحد أسياد القرار، أو ربمّا تكاد توهمه بأنه السيّد المطلق، أي “الـ”ـسيّد معرفاً بالألف واللام.

كذلك صديقتنا المتكلمّة، فهي ليست بملكة فحسب (مما قد يفسح المجال لاعتلاء ملكات أخريات لعرش الخصيان والصبيان والذكران والمأبونون والغلمان) إنما هي “الملكة” (the queen) المعرّفة بالألف واللام. كما أنها ليست “الملكة” فحسب، إنما هي الملكة التي يَبْطُلُ بمفعول مَلَكوتِها الملكوت المظنون لخوخة أو غيرها من الخضار والغلال الكويريّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما سُؤِلت تلك الفتاة عن حالها أجابت بفخر وبريق وعنفوان بأنها محاطة كالعادة برهوط من المثليين.

اِرتسمت في ذهني حينها صورة مجازية شبيهة بالحرملك العثماني. كحرملك من الغلمان والخصيان والوِلدان يطوفون حول ذات أنثوية سيسجندرية مركزيّة. صورة أردتُ عَنْوَنَتَها مجازاً بالماتريارك الإخصائي.

ولعلّه لا يبعد في ذهني كثيراً عمّا أصفه مجازاً بـ”سندروم الـgay bff”. فإن كان الأول (أي الماتريارك المترئّس للكويرز) يعتبر المثليين والكوير عيالا أو قصّر في حاجة للاِنضواء تحت جناح وليّ أو مسؤول أو أمّ مُخصية أو ذات أنثوية سيسجندرية أو تحت حكم “الـ”ـملكة، فإن الثاني (أي سندروم الـgay bff) يختزل هو الآخر المثليين في أكسسوارات أو “فتيشة” اجتماعية في خدمة النساء السيسجندريّات.

لطالما رَفضتُ أن أتقلّد نموذج الأمّ الكويرية أو نموذج “الأم-الدراڨ” (drag mother) وهو إحدى المكونات الرئيسية لثقافة الدراڨ الأصليّة. وكان رفضي لذلك هو رفض لما قد ينضوي عليه ذلك الدور من علاقة عمودية أو تمظهرات سلطويّة أو علويّة. في المقابل اِرتأيت إرساء روابط كويريّة ونسائية تقوم على مبدأ الأختية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أربع سنوات ونصف مضت على هذا التدوين، وها أنا اليوم -على عكس ما ادَّعيتُ بالأمس- أمّ كويريّة فخورة وممتنّة. فما الذي تغيّر؟

أضف تعليق