مظنونيات علوان ١ : كوين

ذات عشيّة ركيكة بلهاء، أتسكع في توهان رفقة صديقي غسّان. كنا نجوب شارع الحرية بتونس العاصمة علني أعثر في مقهى يأوي وهني العريان. وبينما نحن على مشارف محطة البنزين (تلك المترعة على مصرعيها عند تقاطع أربعة طرق) إذ تصادفنا فتاتان، فيتوقف غسّان للتحية.

بعد التحية الجماعية انسحبَت إحدى الفتاتين في خجل وانعزال، ابتعدت عن البرواز الاجتماعي في صمت، لعلها تلوذ بالفرار من هكذا اجتماع عفوي انعقد صدفة على جادّة إسمنتية متاخمة لمحطة بنزين. تاركة رفيقتها مشرئبة العنق تكالم رفيقي غسّان من خلف قتامة النظارات.

لبثتُ على مقربة من ذلك الاجتماع في تمام الصمت والاستعداد أنتظر انتهاء ذلك الطارئ. أرتقب شارة الاختتام لأشد رحالي من جديد مستكملة رحلة البحث عن مقهى يؤمّني بغسّان.

ولمّا كان من المحال المضي دون سؤالٍ عن الحال، سأل غسّان كليمته، كذلك ينّص الپروتوكول وتلك هي العادة والاجراءات الروتينية المعتادة :
-كيف الحال؟
-كما تعلم، أنا كعادتي دائما محاطة بالمثليين.

كان ذلك صدر البيت، ثم أناحت برأسها صوبي مستكملة العَجُز -بينما كنت بمعزل عن الحيز الكلامي- وقالت :
-سامحني، I am the Queen موش إنتي. (هكذا)
[المعذرة، أنا الملكة لستِ أنتِ]

ابتسمتُ لها، ثم عادت فصوّبت برأسها شطر الرفيق الغسّان، ثم انصرف كلٌّ منا إلى شان. ورغم أني برحت المكان وقضى على ذلك الموقف زمان، إلا أنه لم يكن بالإمكان التغاضي أو النسيان. لقد اشتغلتني تلك المقولة وأيقظت ملكة التخمين لدي، فهي حتما لم تكن بمعزولة عن غيرها من السلوكيات والمقولات التي تأتي على شخصي.

*نكرانيات غفران*

قد يبدو لوهلة أن “سامحني” -كما وردت في مطلع العَجُز- قد تفيد طلب المعذرة أو الغفران.
فإلى جانب الاعتذار، قد يحمل لفظ “سامحني” في سياقاتنا التونسية معان أخر، وهو يحتمل وظائف عدّة نذكر منها مجازا؛ الطلب، النداء، التعجب، الاعتراض، الاستطراد، النكران، الاستنكار،…إلخ.

في ذلك الإطار كان يفيد طلب الغفران “سامحني” -في ما كان يفيد- النكران. أي أن “سامحني” التي اعتلت مطلع الكلام تفيد نكران أو تفنيد رأي سبق الكلام وغاب عن القول واستحضره لفظ “سامحني”.

*عرفانيات نكران*

لو أعدنا صياغة قول الفتاة مستحضرين ما غاب عنه في طيّ النكران، تصبح مقولتها “سامحني أنا الملكة، موش إنتي” منوّهة لوضع سابق للكلام أكون أنا بمقتضاه ملكة أو الملكة.

فيصبح بذلك النكران حاملا بذاته لعرفان ضمني لنفس ما أتى عليه النكران.

أي أن المقولة تفترض ضمنيّا أنّي الملكة، وتعمل في ذات الحين على شطب تلك الصفة في موضعين اثنين؛ أولا، استهلال القول بـ”سامحني” للاعتراض عن قول سابق، ثم توظيف أداة النفي “موش” (لستِ) التي سبقت ضمير المخاطَب “إنتي” (أنتِ)، ليصبح نفيا مضاعفا.

يصاحب نفي المتكلمة لصفة “الملكة” عني، اعتلاؤها المتزامن لتلك المنزلة، في مشهد سريالي يحاكي افتكاكا رمزيا لسلطة منشودة أو لاستيلائها مني على عرش لم أعتليه يوما ولا وجود له إلا في مخيال صاحبة المقولة.

لا عجب في أن سبق اعتلاؤها الرمزي للعرش (عند قولها “أنا الملكة”) عزلها لي عن ذلك السلطان المظنون. ولا أعتقد أن تقديمها لموضع “الأنا” قولا عن موضع “الإنتي” (الذي سبقته أداة نفي) كان اعتباطيا.

*مظنونيات سلطان*

على مدى السنوات الـ32 التي قضيتها، لم ألقب نفسي يوما بصفة “ملكة”، لا في اليقظة ولا في الأحلام.

في الواقع، أنا لم ألقب نفسي يوما باسمٍ غير “خوخة” أو “خوخة ماكوير” وهو اسمي الوحيد المختار والذي لا يحمل أي سمات ملكية أو طبقية أو علوية أو تراتبية … إنما يحمل بعض دلالات سيميائية أخرى أتناولها في تخمينات لاحقة.

أما في قراءة أولى ومباشرة لكلمة خوخة فهي تفيد الإشارة إلى ثمرة الخوخ المتاحة، وهي ليست من الثمار النادرة أو الباهضة و الاستوائية. أما عن لقب “ماكوير” فقد كان محاولة مني لمزج مصطلح “كوير”، الذي أتقلده، بلقب “ماكوين” الذي استعرته من معشوقي المبدع “آلكسندر ماكوين” والذي أشترك معه في يوم الميلاد (الـ17 من مارس).

عندما كنت أصوغ لقبا لي (2015) مستلهَما من “آلكسندر ماكوين”، تعمدت استبدال “كوين” التي تفيد “ملكة” بالإنڨليزية بـ”كوير” وهو تصنيف أقرب ما يكون إلى “القعر”، وذلك ليس ببعيد أبدا عن المنطق الذي كان يقف وراء تصنيفي لذاتي حينها كـ”تشّة”، والتي كانت تعني في الأصل “قحبة”.

*بنيانيات علوان*

راج تلقيبي بـ”كوين” اختصارا لمصطلح “دراڨ كوين” والذي يمكن ترجمته إلى العربية بـ”ملكة جرّ”. لا يحمل مصطلح “دراڨ-كوين” أية دلالات تراتبية أو اصطفائية إنما هو نعت وظيفي يُلحق بمن يمارسون فن الـ”دراڨ”. ومع خلو ذلك الوصف من أي طابع علوي، إلا أني كثيرًا ما أتفادى تلقيب نفسي بالـ”دراڨ-كوين” وأكتفي بالحديث عن ممارستي للدراڨ كممارسة هوياتية أو أداة تعبيرية.

بالرغم من تفادي وصفي لذاتي بصفة الـ”دراڨ كوين” إلا أن ذلك التصنيف أضحى مفروغا منه، لا سيما مع الانتشار الواسع الذي عرفه ذلك اللفظ بفضل برنامج سباق الدراڨ “روپول دراڨ رايس”.

أصبح اِلتصاق وصف “دراڨ-كوين” ومناداتي بالـ”كوين” واقعا لا محالة، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى انزلاق المعنى الأصلي لـ”كوين” كاختصار لـ”دراڨ-كوين” ليصبح دالا في نظر البعض على منصب أو لقب أو منزلة كويرية أُسندت لي من باب الرفعة والعلوان.

*سلطانيات مظنون*

في العديد من الحالات، يتحول ذلك التصور المظنون حول منزلة يُفترض بأني أتقلدها لأداة للممارسة السلطة. ففي مقولة “أنا الملكة، لستِ أنتِ” تنتقل ممارسة السلطة وتتمظهر عبر ثلاث محطات :
1 سلطة صياغة المتكلمة لماهيتي على نحو يبوئني أو يمنحني بعض السلطة. (سلطة المانح)
2 سلطة انتزاع المتكلمة لتلك السلطة المظنونة منّي. (سلطة المانع)
3 ارتداء المتكلمة لتلك السلطة المغنومة.

هذا لا يبتعد كثيرا عن تولّي البعض سلطة إسنادهم لي جندرا أو ضميرا مجندرا أو اسما غير الذي اتخذته لنفسي. هي نفس المعارك حول السلطة وإن اختلفت الخطوات. نزاع حول سلطة التعريف والتصنيف، سلطة توهم الآخر المتدخل في شؤون الأنا بأنه أحد أسياد القرار، أو ربمّا تكاد توهمه بأنه السيّد المطلق، أي “الـ”ـسيّد معرفا بالألف واللام.

فالمتكلمة ليست بملكة فحسب، مما قد يفسح المجال لاعتلاء ملكات أخريات لعرش الخصيان والصبيان والذكران والمأبونون والغلمان، إنما هي “الملكة” المعرفة بالألف واللام، كما أنها ليست “الملكة” المعرفة بالألف واللام فحسب إنما هي الملكة التي يَبْطُلُ بمفعول مَلَكوتِها الملكوت المظنون لخوخة.

*خصيانيات تيجان*

عندما سُؤِلَت تلك الفتاة عن حالها أجابت بفخر وبريق وعنفوان بأنها محاطة كالعادة برهوط من المثليين.

ارتسمت في ذهني حينها صورة مجازية شبيهة بالحرملك العثماني، حرملك من الغلمان والخصيان وربما الذكران.. ووِلدان يطوفون حول ذات أنثوية سيسجندرية مركزية. صورة أردتُ عَنْوَنَتَها مجازا بالماتريارك الإخصائي.

لعله لا يبعد في جوهره كثيرا عن سندروم الـgay bff، فإذا كان الأول (أي الحمائية الماترياركية الإخصائية) يعتبر المثليين عيالا أو قصّر في حاجة للانضواء تحت جناح ولّي أو مسؤول أو أم مُخصية “castratrice” أو ذات أنثوية سيسجندرية حاضنة أو تحت حكم “الـ”ـملكة (المعرفة بالألف و اللام)، فإن الثاني (أي سندروم الـgay bff) يختزل هو الآخر المثليين في أكسسوارات أو “فتيشة” اجتماعية في خدمة الإناث/النساء السيسجندريات.

ولا أقصد هنا بالمثليين جميع معشر الذكور من المثليين، إنما أقصد مجازا أولئك الذين تصنفهم الأوساط الاجتماعية “التقليدية” بالمخصيين أو المؤهلين اجتماعيا للإخصاء الرمزي (ولا يقصد بهذه الاستعارة اللغوية أبدا التحقير).

لطالما رَفضتُ أن أتقلّد نموذج الأم الكويرية أو نموذج “الأم-الدراڨ” (drag mother) وهو إحدى المكونات الرئيسية لثقافة الدراڨ الأصلية. وكان رفضي لدور الأم الكويرية أو الأم-الدراڨ هو رفض لما قد ينضوي عليه ذلك الدور من علاقة عمودية أو تمظهرات سلطوية. فاِرتأيت إرساء روابط كويرية علائقية اجتماعية تقوم على مبدأ الأختية (sisterhood) والتي سأتطرق إليها في تخمينات قادمة.

يتبع …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s